وتبقى غَزّة شوكة في عين الإسرائيلي

*
«فذكِّر إنْ نَفَعَت الذِّكرى»
[الأَعْلى: 9]
لمّا شاخ يُوشع بن نون [1] وتقدّمَ في الأيام جَمَعَ شيوخ العشائر، وهُم ما يُعرف بـ«الأسباط»، وأوصى ــــ وكانت الوصاية تقليداً راسخاً في مجتمعات الرُّحّل أو شبه الرُّحّل ــــ ونقل إليهم أنّ «يهوه» [2] أمَرَه بأن يقسم «بالقرعة» في ما بينهم أراضي الكنعانيين التي كانوا استَوْلَوا عليها فدمّروا بأمرٍ منه مساكنها وأحرقوا فيها الأخضر واليابس و «حرّموا» (= قَتَلوا) «كلّ ما عليها من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحدّ السيف» [3]. وأوصاهم بأن يُتابِعوا ما كانوا قد بدؤوه وأن يَستحْوِذوا على أراضي الفلسطينيين لاقتسامها في ما بينهم، «فقد بَقِيَتْ أراض كثيرة جداً للامتلاك وهذه الأراضي الباقية هي كلّ دائرة الفلسطينيين [...] وأقطاب الفلسطينيين الخمسة هم الغزّي والأشدودي والعسقلاني والجتّي والعقْروني [...]» [4]. وما ترك «يهوه» هذه الأمم وغيرها إلا «ليمتحن بها بني إسرائيل» من الأجيال القادمة أولئك الذين لم يعرفوا حروب كنعان. يقول النّص التّوراتي: «فهؤلاء هم الأمم الذين تركهم الرّب ليمتحن بهم إسرائيل كلّ الذين لم يَعرِفوا جميع حروب كنعان (إنّما لمعرفة أجيال بني إسرائيل لتعليمهم الحرب الذين لم يعرفوها قبل قط) أقطاب الفلسطينيين الخمسة وجميع الكنعانيين والصيدونيين والحِويين سكّان جبل لبنان من جبل بعل حَرمون إلى مدخل حماة كانوا لامتحان إسرائيل بهم ليُعْلَمَ هل يسمعون وصايا الرّب التي أوصى بها آباءهم عن يد موسى» [5].
فقسّم يُوشع، على ما تقول الرّواية، أراضي كنعان المستَوْلَى عليها على الأسباط والعشائر ولم يلبث إلا قليلاً ثم قضى نحبه. وكان بعد موته أن صعدتْ بعض عشائر العبريين [6] إنفاذاً للوصيّة لحرب الفلسطينيين وإزهاق أرواحهم والاستحواذ على أراضيهم، فاستعرت بين الطّرفين حروبٌ دامت أجيالاً أثخنَ فيها أصحابُ الأرضِ غُزاتَهم لمدّة تزيد على «أربعين سنة» [7] على ما تروي التّوراة، تمكّن فيها الفلسطينيون في بعض المرات من قتل بعض قادة العبريين. فها هو شمشون البطل المفتول العضلات ذو القوة الخارقة تغويه دليلة فما إن دخل خباءها واسترخى حتى استلّتْ مقصّها وقصّت شعره ففقد بذلك قوته فظفرَ به الفلسطينيون بعد أن كانوا قد تَقَصَّوْه ولاحقوه طويلاً فأخذوه ورموه في سراديب معبد إلههم «داجون». وما عتّم بعدَ زمنٍ أن نمَا بعضُ شعره فعادتْ إليه بعض قوّته فنهض وقال قولته الشّهيرة «لِتَمُتْ نفسي مع الفلسطينيين» [8] فهدمَ البيتَ على رؤوس الجميع.
وفي مرّة أخرى [9] «انكسر إسرائيل أمام الفلسطينيين» فهرع العبريون إلى «تابوت العهد» المقدّس وحملوه إلى ساحة المعركة [10] ليخلّصهم من يد أعدائهم ولكنّ الفلسطينيين كانوا الأقوى فدحروهم وانتزعوا منهم «تابوت العهد» وحملوه إلى أشدود فباقي المدن الفلسطينيّة ـــــ ولا نعلم ما كان فيه أَتماثيل «يهوه» أم ألواح موسى المكتوبة بإصبع «يهوه» أم أدوات الشّعائر والطقوس الدّينيّة أم غير ذلك؟! ولكنّ الرّواية تذكر أنّه «تابوت الله» و«تابوت إله إسرائيل» [11] وبقي «تابوت العهد في بلاد الفلسطينيين سبعة أشهر» [12] ثمّ أعادوه إلى العبريين من دون قتال فوضعه هؤلاء في «قرية يعاريم» [13] ثمّ عادت الحرب سجالاً بين الطّرفين.
وكانت اليد للفلسطينيين على العبرانيين أيضاً وأيضاً فتمكّنوا في ما بعد من إنهاء حكم شاوول وقتلوه في معركة «جِلْبُوع» [14]، ولقد مدّوا يد العون يوماً إلى داوود نفسه حين طلب منهم حمايته من غريمه شاول وصحبه فأجاروا داوود وأهل بيته وعبيده وقطعانه فمكث هؤلاء بين ظهراني الفلسطينيين «سنة وأربعة أشهر» في أمان وبرعايتهم [15].
وأيّاً يكن الأمر، فإنّ غزّة بقيت عصيّة على بني إسرائيل وعلى سبط يهوذا خصوصاً وعجزت الأجيال التالية ليوشع بن نون عن أن تُنْجِز «وصيّة يهوه» فتقضي على الفلسطينيين وتغتصب أرضهم وهكذا اندثرت مملكة يهوذا عام 587 قبل الميلاد على يد نبوخذ نصّر الثاني ولم تكن غزّة وما جاورها يوماً جزءاً منها.
ومضت الأيام تترى ودخلت غزّة كما المنطقة بأكملها في دوّامة الإمبراطوريات المتعاقبة وكان آخرها الدّولة العثمانيّة ثم أعلن بلفور عام 1917 وعده الشّهير وأُحْضِرَ اليهود إلى فلسطين من كلّ حدبٍ وصوب ثم كان قرار تقسيم البلاد بين سكان البلاد والغزاة الجدد فحرب عام 1948 واجتاح بن غوريون بعصاباته الصهيونيّة مناطق واسعة من فلسطين ولكنّه وقف على أبواب غزّة وتركها إلى مصر تديرها ثمّ كان حزيران عام 1967 يوم خسر جيش مصر كلّ سيناء وقبلها غزّة ووصل الصّهاينة إلى الجانب الشّرقي لقناة السّويس. وما إن دخل الصّهاينة غزّة حتّى بدؤوا من الغد سياسة جلْبَ اليهود إليها في محاولة لإنفاذ «وصيّة يهوه» فأغدق آرييل شارون قائد المنطقة الجنوبيّة منذ عام 1969، وقد فاق بإجرامه إجرام يوشع بن نون، الوعود وأقسم الأيمان المعظّمة بأنّ غزّة من إسرائيل إلى الأبد فوضع «خطّة الأصابع الخمسة»، فأقام في وسط غزّة محور نتساريم الشّهير وخلق خمس مجموعات استعماريّة فيها أكثر من عشرين مستعمرة وسكن هو نفسه في واحدة منها آملاً أنْ يحذُوَ بنو جنسه حذوه.
لكنّ الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى (1987) واتفاقية أوسلو التي تلتها (1994) أجبرتا الصّهاينة على الانسحاب من الأحياء ذات الكثافة الفلسطينيّة العالية واستمرت أعمال المقاومة فقُتِل ما يقرب من مئة جندي إسرائيلي ما بين عامَي 2000 و2004، وعقب معركة «أيام الغضب» (2005) أقرّ شارون بعجزه وأعطى الأوامر بتفكيك المستعمرات فتمّ إخلاؤها في ثمانية أيّام فقط، مخالفاً بذلك ما كان قد قطعه من وعود وما قد عُلِّقتْ على خطّته من آمال، واستبدل الاستعمار المباشر بالحصار الخانق منتظراً بذلك الموت البطيء لغزّة لكنّ أهل غزّة أدركوا عندها معنى أن يكون العدوّ أمامك والبحر وراءك فأين المفر. فأتقنوا حِرفة تدوير المواد وإعادة إنتاجها أيّما إتقان وتجاوزوا حصار الأعداء والأشقّاء ورفضوا الهجرة وأقضّوا مضاجع الصّهاينة المحيطين بهم فسَامَهُم جيش هؤلاء ألواناً من العذاب قتلاً وتشريداً وتدميراً، فكانت عمليات «الرّصاص المصبوب» (2008) و«عمود السّحاب» (2012) و«الجرف الصّامد» (2014) و«صيحة الفجر» (2019) و«حارس الأسوار» (2021) و«الفجر الصادق» (2021) وفي كلّ مرّة كان ينهض الفينيق من رماده ويحلّق عالياً إلى أن كان «الطّوفان».
اليوم، وبعد سبع عشرة سنة من حصار العدو والشّقيق معاً وما يزيد على خمسة عشر شهراً من صمودٍ وقتال مرير ترك ما يزيد على مئتي ألف ضحيّة بين قتيل وجريح ومفقود ودمّرَ ما يزيد على ثلثي مباني غزّة وكلّ مستشفياتها، يسأل الناس كيف أمكن لهذا الفلسطيني أن يبقى شوكة في عين الإسرائيلي. والحال أنّه مُنْغَرِزٌ في أرضه إلى أعمق مما تذهب إليه أنفاقه اليوم، فالأثاث والأواني والحُلى والخزفيات وباقي اللّقى الأثريّة تشهد بوجود الفلسطيني على هذه الأرض منذ ما يزيد على ثلاثة آلاف سنة، يوم كان فيه «الشاسو» أو «خبيرو» أو «عبيرو» ما زالوا رُعاعاً يجوبون الأصقاع يحملون آلهتهم فوق رؤوسهم في «تابوتٍ» ويدورون به!
هو شامخ ولسان حاله يقول: «فأمّا الزَّبَدُ فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ الناس فيَمْكُثُ في الأرضِ» ـــــ [الرّعد: 17]
وللصّراع بقيّة...
* أستاذ الحضارة الإسلامية في جامعة «ليون» الثالثة
هوامش:
[1] وهو معروف عند المسلمين بـ«فتى» موسى ونورد هنا الرّواية التّوراتيّة على عِلاتها كما آمن بها أصحابها وما زالوا إلى اليوم
[2] لأسباب لا يستقيم بيانها هنا ارتأيتُ ألا أُترجم بـ«الرّب» أو «الله» أو «السيّد» وإنّما أنْ أنقله بلفظه إلى العربيّة (يهوه)
[3] سفر يوشع، إصحاح 6/21
[4] سِفر يوشع بن نون، إصحاح 13/1_3
[5] سفر القضاة، إصحاح 3/1_4 ما يعني أنّ السّيطرة على هذه الأراضي واجب ديني على الأجيال اليهودية القادمة وامتحان لها لامتثالها لتعاليم الرّب التي أوصى بها أباؤهم عن يد موسى
(6) نستعمل هذا اللفظ هنا على نحو مجازي للإشارة إلى هذه المجموعة من الغزاة من دون الدخول في اعتبارات لغويّة أو أثريّة علميّة تتجاوز مساحة هذا المقال
[7] «ثم عاد بنو إسرائيل يعملون الشّر في عيني الرّب فدفعهم الرّب ليد الفلسطينيين أربعين سنة» سفر القضاة، إصحاح 13/1
[8] سفر القضاة، إصحاح 16/30 أو «عليّ وعلى أعدائي»
[9] انظر الرّواية في سفر القضاة من إصحاح 4 إلى إصحاح 7
[10] إحضار الآلهة إلى ساحة المعركة لكي تدافع عن القبيلة أو العشيرة مشهد يتردد مرات كثيرة في الرّواية التّوراتيّة (يوشع 6/13، 7/6) وهذا تقليد قديم خصوصاً عند الشعوب الوثنيّة المتنقّلة (رحّل أو شبه رُحّل) أو حديثة الاستقرار التي لم تثبّت بعد آلهتها في معابد مركزيّة دائمة وهنا تكون العلاقة بين «الآلهة» و«القبيلة» علاقة حماية حصريّة و«عهد» بين الطّرفين على غرار «الحلف» أو «العهد» الذي يُبرم بين قبيلتين وما فِعلُ أبي سفيان مثلاً يوم «أُحُد» إلا تجسيد لهذا المُعتقد فقد جاء في المأثور أنّه في معركة «أُحُد» بين قريش والمسلمين حملت قريش آلهتها طلباً لحمايتها ونصرتها فلما انتصرت قريش صاح أبو سفيان «لنا العُزّى ولا عُزّى لكم»
[11] سفر صموئيل الأول، إصحاح 4/11، 17، إصحاح 5/ 2، 8، 9، إصحاح 6/1، ...
[12] سفر صموئيل الأول، إصحاح 6/1
[13] سفر صموئيل الأول، إصحاح 7/1، ولم يكونوا بعد قد استولوا على القدس ولم يكن لهم فيها معبد
[14] صموئيل الأوّل، إصحاح 31/1_5
[15] سفر صموئيل الأول، إصحاح 27/1_7
